
أصبحت Backrooms واحدة من أبرز الأمثلة الحديثة على انتقال ثقافة الإنترنت إلى السينما العالمية.
في البداية، كانت الفكرة بسيطة وغريبة: شخص يخرج بالخطأ من الواقع، فيجد نفسه داخل ممرات وغرف صفراء لا تنتهي، تحت إضاءة فلورية باردة، وسجاد رطب، وصمت ثقيل.
ثم تحولت الفكرة عبر المنتديات وReddit وYouTube وألعاب المعجبين والرسومات الرقمية إلى عالم رعب كامل.
لكن بعد نجاح فيلم Backrooms من إنتاج A24 وإخراج Kane Parsons، المعروف أيضا باسم Kane Pixels، ظهر سؤال جديد:
هل يمكن لشركة سينمائية أن تملك أسطورة صنعها الإنترنت بشكل جماعي؟
ما هي Backrooms؟
Backrooms هي فكرة رعب وُلدت على الإنترنت.
تقوم الفكرة على أن الإنسان قد “ينزلق” خارج الواقع ويدخل إلى مكان لا يبدو حقيقيا بالكامل: غرف متشابهة، ممرات طويلة، جدران صفراء، ضوء مزعج، ولا وجود واضح لأي مخرج.
الرعب هنا لا يعتمد فقط على الوحوش أو الدماء أو الصدمات المفاجئة. الخوف يأتي من المكان نفسه.
هذا النوع من الرعب يسمى غالبا “liminal space”، أي المساحات الانتقالية أو الأماكن التي تبدو مألوفة لكنها فارغة بشكل مقلق. مثل ممر فندق خال، مركز تجاري بعد الإغلاق، مدرسة بلا طلاب، أو مكتب بلا موظفين.
بالنسبة للقارئ العربي، يمكن فهم Backrooms كنوع من “الحكايات الرقمية” أو “الأساطير الحديثة” التي يصنعها مستخدمو الإنترنت، ثم يضيف إليها كل شخص طبقة جديدة من الخيال.
لماذا أصبحت Backrooms مهمة بعد فيلم A24؟
قبل الفيلم، كانت Backrooms معروفة بين محبي الرعب الرقمي وYouTube وألعاب الإنترنت.
لكن فيلم A24 نقلها إلى مستوى آخر.
Kane Parsons، الذي اشتهر بفيديوهات YouTube بأسلوب اللقطات المفقودة، أعطى Backrooms شكلا سينمائيا قويا. وبعد ذلك، تحولت الفكرة إلى فيلم ناجح عالميا.
هذا النجاح مهم لأنه يوضح شيئا جديدا في صناعة الترفيه: لم تعد القصص الكبرى تأتي فقط من الروايات أو القصص المصورة أو الألعاب الشهيرة. أحيانا قد تبدأ من صورة غريبة، منشور مجهول، فيديو YouTube، أو مجتمع صغير على الإنترنت.
وهذا يجعل Backrooms قريبة من ثقافة الشباب في العالم العربي أيضا، حيث تلعب منصات مثل YouTube وTikTok وInstagram دورا كبيرا في انتشار القصص، الميمات، المقاطع القصيرة، والتحليلات.
ما هي قضية حقوق النشر حول Backrooms؟
بدأ الجدل عندما تحدثت تقارير إعلامية عن حذف أو استهداف بعض الأعمال المستوحاة من Backrooms، مثل فنون المعجبين أو المنتجات الرقمية، بسبب مطالبات مرتبطة بحقوق النشر.
بعض هذه الأعمال كانت تستخدم أجواء تشبه عالم Backrooms: الجدران الصفراء، الغرف الفارغة، الممرات اللامتناهية، والإحساس العام بالمساحة المخيفة.
هنا شعر بعض المعجبين أن A24 ربما تحاول السيطرة على ثقافة كانت موجودة قبل الفيلم نفسه.
بحسب تقارير عدة، أوضحت A24 لاحقا أن بعض عمليات الحذف كانت نتيجة خطأ في نظام خارجي لإدارة الحقوق. كما أظهر Kane Parsons دعما لمجتمع المعجبين والمبدعين حول Backrooms.
لكن حتى لو كان الأمر خطأ تقنيا، فإن السؤال الأهم لا يزال قائما:
أين ينتهي حق الشركة في حماية فيلمها، وأين تبدأ حرية الجمهور في الإبداع داخل عالم صنعه الإنترنت؟
لماذا غضب المعجبون؟
غضب المعجبين لا يتعلق فقط بصورة أو متجر أو منتج.
المسألة أعمق من ذلك.
Backrooms لم تولد داخل مكتب شركة سينمائية. لقد نشأت من الإنترنت، ثم كبرت بفضل المستخدمين الذين كتبوا قصصا، صنعوا فيديوهات، صمموا ألعابا، رسموا صورا، وشرحوا نظريات.
الجمهور لم يكن مجرد متفرج.
كان شريكا في بناء العالم.
لذلك عندما تبدأ مطالبات حقوق النشر في التأثير على فنون المعجبين، يشعر البعض أن الثقافة المفتوحة التي جعلت Backrooms مشهورة قد تتحول إلى ملكية مغلقة.
وهذا موضوع يمكن أن يفهمه الجمهور العربي بسهولة، لأن ثقافة المعجبين موجودة بقوة في المنطقة: من الأنمي والألعاب، إلى كرة القدم، المسلسلات، الميمات، المقاطع القصيرة، والتصاميم المنتشرة على الشبكات الاجتماعية.
لماذا هذه القضية مهمة للعالم العربي؟
في العالم العربي، يوجد اهتمام كبير بالمحتوى المرئي، خاصة بين الشباب. YouTube، TikTok، Instagram وSnapchat ليست مجرد منصات ترفيه، بل أصبحت أماكن لصناعة الثقافة اليومية.
المستخدمون العرب لا يكتفون بالمشاهدة. هم يترجمون، يشرحون، يعيدون المونتاج، يصنعون الميمات، يضيفون السياق المحلي، وينشرون الأفكار بلغتهم وثقافتهم.
لهذا السبب، فإن قضية Backrooms ليست بعيدة عن القارئ العربي.
هي تطرح سؤالا يهم كل من يصنع أو يتابع المحتوى على الإنترنت:
إذا ساهم الجمهور في نشر فكرة وتطويرها، فهل يمكن لاحقا لشركة كبرى أن تتحكم في كل ما يتعلق بها؟
الجواب القانوني قد يكون معقدا، لكن ثقافيا، من الواضح أن المجتمعات الرقمية أصبحت جزءا أساسيا من صناعة القصص الحديثة.
الفرق بين حماية الحقوق وخنق الإبداع
من المهم التمييز بين أمرين.
من حق أي شركة أن تحمي فيلمها من القرصنة، بيع النسخ غير القانونية، أو استخدام المواد الرسمية دون إذن.
لكن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بفن مستوحى من ثقافة كانت موجودة قبل الفيلم، أو بعالم ساهم الجمهور في توسيعه.
الحماية القانونية ضرورية، لكن الإفراط فيها قد يضر بالثقافة نفسها.
إذا أصبح المعجبون خائفين من الرسم، الكتابة، التحليل، أو صناعة مقاطع مستوحاة من Backrooms، فإن العالم الذي جعل الفيلم ناجحا قد يفقد جزءا من قوته.
Backrooms ليست الحالة الوحيدة
نجاح Backrooms جعل هوليوود تنظر بجدية أكبر إلى قصص الرعب القادمة من الإنترنت.
هناك اهتمام متزايد بمشاريع مستوحاة من The Mandela Catalogue وSiren Head وSCP وغيرها من عوالم الرعب الرقمية.
هذا يعني أن المستقبل قد يحمل المزيد من الأفلام المبنية على قصص نشأت في YouTube، المنتديات، الألعاب المستقلة، أو مجتمعات المعجبين.
وبالنسبة للعالم العربي، هذه فرصة مهمة أيضا.
المنطقة لديها جمهور شاب، نشط، ومبدع على المنصات الرقمية. كما أن هناك طاقة واضحة في صناعة الفيديوهات، الشروحات، الرسوم، الميمات، والتحليلات. إذا أصبحت القصص الرقمية مصدرا أساسيا لصناعة السينما، فقد يكون للمبدعين العرب دور أكبر في هذه الموجة.
من يملك Backrooms؟
قانونيا، قد تكون هناك حقوق واضحة لأشياء محددة: فيلم، ملصق، موسيقى، مشهد، تصميم رسمي، أو نص معين.
لكن ثقافيا، Backrooms تبدو أقرب إلى أسطورة جماعية.
Kane Parsons أعطاها شكلا سينمائيا مؤثرا. A24 حولتها إلى فيلم عالمي. لكن مجتمع الإنترنت هو الذي جعلها تكبر وتتحول إلى عالم مفتوح.
لذلك، يصعب القول إن Backrooms تنتمي إلى جهة واحدة فقط.
هي نتيجة تفاعل طويل بين صورة، فكرة، جمهور، مبدعين، منصات، وفيلم كبير.
الخلاصة
قضية حقوق Backrooms ليست مجرد خلاف حول الحذف أو الملكية.
إنها مثال واضح على التوتر بين ثقافة الإنترنت المفتوحة وصناعة السينما التجارية.
A24 أثبتت أن أسطورة رقمية يمكن أن تصبح فيلما ناجحا عالميا. لكن هذا النجاح يضع مسؤولية على الشركات: احترام الجمهور الذي ساعد في بناء هذه الأسطورة.
Backrooms مخيفة لأنها تشبه مكانا لا يعرف أحد من بناه.
والآن، السؤال نفسه يطرح حول القصة نفسها:
من بنى Backrooms؟
ربما لا تكون الإجابة شركة واحدة أو شخصا واحدا.
ربما تكون الإجابة: الإنترنت كله.

コメント